حين يُذكر اسم آنا وينتور، لا تُستحضر امرأة تدير مجلة فحسب، بل منظومة كاملة تُمسك بخيوط الذوق العام، وتقرأ التحوّلات الثقافية قبل أن تصبح عناوين. على مدى عقود، لم تكن وينتور “محررة” بقدر ما كانت قوة تنظيمية: تعيد ترتيب الأسماء، وتمنح الشرعية، وتفرض إيقاعًا جديدًا للموضة والإعلام والنجومية.
الطفولة: بيت الصحافة… وبوصلة مبكرة نحو التأثير؛
وُلدت آنا وينتور في لندن في 3 نوفمبر 1949. نشأت في بيئة ترى الإعلام كصناعة قرار لا كترف ثقافي: والدها تشارلز فير وينتور كان من أبرز الشخصيات الصحافية في بريطانيا وتولى رئاسة تحرير صحيفة Evening Standard (مرّتين وفق مصادر مرجعية).
في هذا المناخ، تتكوّن الحساسية التحريرية مبكرًا: ماذا يعني الخبر؟ ماذا يعني العنوان؟ وكيف تُدار الأذواق بوصفها “اتجاهًا عامًا” لا مجرد رأي شخصي؟
تذكر الموسوعات المرجعية أن وينتور تركت مدرسة North London Collegiate في سن مبكرة (1966). وهذه نقطة تُستخدم عادة لتفسير شخصيتها المهنية: حسمٌ سريع، وقرار مبكر بأن التعليم التقليدي ليس طريقها، وأن “المهنة” هي المدرسة الحقيقية.
البدايات المهنية: من لندن إلى نيويورك… ثم عودة كـ“مهمة تغيير”
بحسب Britannica، بدأت وينتور في أوائل السبعينيات كمساعدة أزياء في مجلة Harper’s & Queen بعد سنوات قليلة من تركها الدراسة.
ومن هناك تتسع الدائرة: عملت في عناوين مختلفة في نيويورك قبل أن تُستدعى لاحقًا لمهام “إعادة ضبط” داخل منظومة كوندي ناست. مصادر السيرة الصحفية الحديثة تبرز صورتها كـ«امرأة تدخل لتغيير المجلات» لا لمجرّد إدارتها، وهو ما عزز ألقابًا لاحقتها مثل “Nuclear Wintour”.
محطات مفصلية قبل «فوغ أميركا»
1986: رئاسة تحرير British Vogue: عادت إلى لندن لتقود النسخة البريطانية من Vogue بعقلية أكثر حِدّة وحداثة، وتصرّحت برؤية واضحة لامرأة جديدة: سريعة، عاملة، و”لا وقت لديها للتسوق العبثي” — خطابٌ كان سابقًا لزمنه في إعلام الموضة. 1987: House & Garden / HG: كُلّفت بإعادة إطلاق المجلة في الولايات المتحدة عبر خطوة مثيرة للجدل غيّرت حتى اسمها إلى HG، وأشارت مصادر السيرة إلى قرارات قاسية في المحتوى والميزانيات خلال “التغيير”.
هذه المراحل مهمّة لأنها تُفسّر لماذا كانت Vogue ترى فيها الحلّ عندما احتاجت إلى “صدمة محسوبة” تعيد المجلة إلى صدارة السوق.
1988: اللحظة التي بدأت فيها الحقبة؛
في 1988، تولّت آنا وينتور منصب رئيسة تحرير Vogue الأميركية خلفًا لغريس ميرابيلا.
وتُجمع السير على أن أولى رسائلها كانت واضحة: Vogue لا تريد أن تكون مرآة لطبقة مترفة منعزلة، بل “نقطة التقاء” بين الموضة والحياة العامة — ولهذا برزت إحدى أشهر أفكارها: مزج القطع الفاخرة مع عناصر أكثر يومية على الغلاف والصورة.
كيف غيّرت وينتور قواعد اللعبة؟
صناعة “غلاف الحدث” خلال حقبتها، لم يعد الغلاف مجرد صورة جميلة، بل خبر ثقافي. وقد دعمت السير الحديثة أنها دفعت Vogue نحو “نجومية” أكبر للغلاف عبر حضور المشاهير وخلق لحظة نقاش عامة حول الاختيارات التحريرية. تحويل Met Gala إلى حدث عالمي رغم أن الحفل سابق لحقبتها، إلا أن دور وينتور كرئيسة (أو وجه قيادي) جعل منه منصة نفوذ عالمي، تربط الموضة بالفن والتمويل والرعاة والنجوم—وتؤكد وكالات الأنباء استمرار هذا الدور حتى بعد تغيّر موقعها اليومي في المجلة. صورة “القوة” في الثقافة الشعبية صارت شخصيتها مرجعًا لأدب وسينما الموضة: رواية The Devil Wears Prada (2004) وفيلمها (2006) غالبًا ما يُشار إليهما باعتبارهما مستوحَيين من صورتها العامة، ثم جاءت وثائقيات مثل The September Issue لتعزيز حضورها كرمز للسلطة التحريرية.
ما وراء «فوغ»: صعودها داخل كوندي ناست؛
مع الزمن، تمدد نفوذها من مجلة واحدة إلى شركة كاملة. تذكر مصادر مرجعية أنها أصبحت المديرة الفنية (Artistic Director) لكوندي ناست في 2013، ثم Chief Content Officer عالميًا في 2020 مع إشراف أوسع على المحتوى عبر العلامات.
وهنا لم تعد وينتور “محررة Vogue” فقط، بل عقلًا تنفيذيًا يرسم سياسة المحتوى للمنظومة.
2025: نهاية لقب… لا نهاية نفوذ؛
في يونيو 2025 أعلنت وينتور أنها ستتراجع عن دور رئيسة التحرير اليومية لـVogue الأميركية، مع بقائها المديرة التحريرية العالمية لـVogue وChief Content Officer في Condé Nast.
وفي سبتمبر 2025 عُيّنت Chloe Malle كـHead of Editorial Content للنسخة الأميركية، في تغيير لافت يعكس أيضًا تحوّل الصناعة من “رئيس تحرير أسطوري” إلى بنية تشغيلية جديدة.
هذا التحوّل لا يعني خروج وينتور من الصورة—بل إعادة توزيع الصلاحيات: يوميات التشغيل لشخص آخر، بينما يبقى “القرار الكبير” في الطبقة الأعلى.
تكريمات وأوسمة: من الدار البريطانية إلى البيت الأبيض؛
تشير المصادر المرجعية إلى حصولها على OBE (2008) ثم Dame (2017)، إضافة إلى Presidential Medal of Freedom (2025).
كما وردت تغطيات صحفية عن تكريمها بصفة Companion of Honour في سياق تكريم ملكي، ما يعكس مكانتها التي تتجاوز الموضة كصناعة إلى “قوة ثقافية” داخل بريطانيا وخارجها.
حياتها الشخصية (بقدر ما يخدم السرد)؛
تذكر Britannica أنها تزوجت الطبيب النفسي David Shaffer (1984–1999) وأن لديهما طفلين.
في قراءة شخصية آنا وينتور، هذه التفاصيل لا تُستعمل للفضول، بل لفهم مفارقة: امرأة ظهرت بصورة صارمة في المجال العام، بينما تعيش حياة خاصة تحاول أن تبقى خارج الكاميرا—وهو ما يزيد من هالتها بدل أن ينقصها.
لماذا تهمّنا آنا وينتور اليوم؟
لأنها ليست قصة نجاح فردية، بل قصة كيف يتحول الإعلام إلى سلطة:
كيف يصنع الغلاف اتجاهًا، وكيف تصبح الموضة لغة سياسة واقتصاد، وكيف يمكن لشخص واحد أن يخلق “معيارًا” يلتزم به الآخرون—ثم يعيد تعريف هذا المعيار عندما تتغير الصناعة.
في زمن تتراجع فيه المجلات الورقية عالميًا وتتصاعد المنصات الرقمية، تمثل آنا وينتور نموذجًا نادرًا: القدرة على نقل النفوذ من الورق إلى المنظومة—من مجلة إلى شركة، ومن اختيار صور إلى إدارة ثقافة كاملة.









