جيمس واتسون… العبقري الذي فكّ شيفرة الحياة ثم أسقطه الجدل

مقدمة؛

قلّما شهد التاريخ العلمي شخصية أثارت من الضوء بقدر ما أثارت من الظلال، كما فعل العالم الأمريكي جيمس ديوي واتسون؛ الرجل الذي ارتبط اسمه بأحد أعظم الاكتشافات في القرن العشرين—التركيب الحلزوني المزدوج للحمض النووي DNA—وفي الوقت ذاته، بقيت حياته محاطة بالجدل، والأسئلة الأخلاقية، ومواقف أثارت غضب المجتمع العلمي لسنوات.

ورحل واتسون في 6 نوفمبر 2025 عن عمر ناهز 97 عاماً، وحيداً بعد أن انفضّ عنه كثيرون، تاركاً خلفه إرثاً علمياً ضخماً… وسيرة لا تخلو من الشوائب.

النشأة الباكرة: طفلٌ فضوليّ أصبح رمزاً علمياً؛

وُلد جيمس ديوي واتسون عام 1928 في مدينة شيكاغو الأمريكية، في بيئة متواضعة لكنها مشجّعة فكرياً. أظهر منذ طفولته شغفاً بالقراءة والطيور وعلم الأحياء، ودخل الجامعة في سن مبكرة بشكل لافت، إذ حصل على منحة للدراسة في جامعة شيكاغو وهو في سن الخامسة عشرة فقط.

هذا النضج العلمي السريع مهّد لظهور شخصيةٍ لا يشبهها أحد في زمانه: طموحة، جريئة، ولا تعرف التردّد.

الاكتشاف التاريخي: الشفرة التي فتحت أبواب الحياة؛

عام 1953، دخل واتسون التاريخ العلمي من أوسع أبوابه. ففي مختبر جامعة كامبريدج، تعاون مع العالم فرانسيس كريك، ليكتشفا معاً البنية الحلزونية المزدوجة لـ DNA، وهي اللحظة التي قلبت علم الوراثة رأساً على عقب.

هذا الاكتشاف لم يكن مجرد إنجاز مخبري، بل كان مفتاحاً لفهم:

كيفية تخزين المعلومات الوراثية كيفية انتقالها بين الأجيال طبيعة الطفرات الوراثية الأساس الجزيئي للأمراض الوراثية

وبفضل هذا العمل، حصل واتسون وكريك على جائزة نوبل في الطب عام 1962، مع العالم موريس ويلكنز.

لكن ما لم يُذكر كثيراً… هو أن الاكتشاف استند على بيانات تصوير بالأشعة السينية من العالِمة روزاليند فرانكلين، التي لم تحظَ بالاعتراف الكافي في ذلك الوقت، وثار لاحقاً جدل كبير حول إن كان واتسون قد استفاد من أبحاثها دون إذن.

مسيرة مؤسّسية أعادت تشكيل علم الوراثة؛

بعد نوبل، لم يتوقف دور واتسون عند حدود المختبر. فقد انخرط في بناء مؤسسات بحثية شكلت مستقبل العلم الحديث، أهمها:

• مختبر كولد سبرينغ هاربور (CSHL)

حيث قاد برامج علمية أسهمت في تطوير تقنيات الهندسة الوراثية والبحث الجيني.

• مشروع الجينوم البشري

كان أحد أبرز الأصوات الداعمة للمشروع في سنواته الأولى، وهو المشروع الذي رسم أوّل خريطة للجينات البشرية، وغيّر فهم العالم للطب والوراثة.

وجه الجدل: تصريحات أخرجته من دائرة المجد؛

على الرغم من نجاحاته العلمية، فإن جانباً مظلماً لاحق اسم واتسون طوال حياته. فقد أدلى بتصريحات ذات طابع عنصري حول تفوق “العرق الأبيض”، إضافة إلى مواقف مثيرة حول الذكاء والوراثة والسلوك البشري.

هذه التصريحات—التي رفضها المجتمع العلمي بأكمله—أدّت إلى:

سحب الألقاب الفخرية الممنوحة له تنحيته عن مناصب إدارية رفض المؤسسات العلمية الارتباط باسمه

وفي آخر سنواته، عاش واتسون شبه معزول، وقد تبرأ منه ابنه علناً، مؤكداً أن والده “لم يعد يمثل صوت العلم ولا قيمه”.

الرحيل: نهاية حافلة بالأسئلة؛

توفي جيمس واتسون في 6 نوفمبر 2025، تاركاً إرثاً معقداً. فهو من جهة، واحد من أعظم العلماء الذين غيّروا بفهمهم للـ DNA مستقبل الطب والبيولوجيا، ومن جهة أخرى، رجل أصرّ على التمسك بأفكار أثارت الغضب والرفض.

ويبقى السؤال المفتوح:

هل يمكن فصل الإنجاز العلمي عن صاحبه؟

وهل يظل العلم ملكاً للبشرية، حتى وإن غادره من صنعه؟

خلاصة: شخصية لا تُنسى… مهما اختلفت حولها الروايات

في ميزان التاريخ، سيبقى اسم جيمس واتسون محفوراً في بدايات علم الوراثة الحديث، وسيظل اكتشافه للّولب المزدوج واحداً من أهم إنجازات القرن العشرين. لكن سيرته الشخصية—بما فيها من تناقضات—ستذكّر العالم دائماً بأن العبقرية لا تحصّن من السقوط، وأن العلم يتجاوز أفراده… لكنه لا ينسى مَن ترك فيه بصمة.

شارك المقال
Scroll to Top