حين تكون الجوائز عادلة… لكن الترشيحات ليست كذلك
في كل موسم جوائز، تظهر الجملة الأسرع على لسان الجمهور:
“الجوائز غير عادلة.”
لكنني هذا العام، وبعد متابعة الجدل حول Joy Awards، وجدتني أميل إلى رأي مختلف:
ربما الجوائز كانت عادلة…
لكن المشكلة الحقيقية كانت في مكان آخر: الترشيحات.
لأن العدل لا يبدأ من لحظة التصويت فقط،
بل يبدأ قبل ذلك بكثير—من لحظة توزيع الأسماء داخل الفئات.
المشكلة ليست في “من فاز”… بل في “من وُضع مع من”
في الفن، لا يوجد خط واحد يُقاس به الجميع.
لكل فنّ جيله، ولكل جيل ذائقته، ولكل مرحلة أدواتها وصوتها.
وهذا طبيعي، بل ضروري.
لكن غير الطبيعي أن نجمع أسماء تمثّل “مدارس كاملة” في فئة واحدة مع أسماء ما زالت تُجرب، أو تعيش لحظة انتشار، أو تعبّر عن ذائقة جيل جديد فقط.
خذ مثالًا واضحًا:
حين يوضع فنان مثل فضل شاكر في فئة تضم أسماء يمكن وصفها—دون قسوة—بأنها “سطحية” أو “استهلاكية” مقارنة بتاريخ وتجربة وصوت بحجمه…
فإن نتيجة الفوز تصبح شبه محسومة.
ليس لأن التصويت متحيّز.
بل لأن المقارنة من البداية لم تكن متوازنة.
فضل شاكر لا يمكن “التغلّب عليه” في فئة مفتوحة بهذا الشكل،
لأن ما يحمله من إرث فني وصوت وذاكرة عند الجمهور،
هو ببساطة… أكبر من لحظة الأغنية، وأكبر من موجة الترند.
وهنا تحديدًا يجب أن نقول الحقيقة كما هي:
هو يستحق الجوائز التي أخذها، وبجدارة.
لكن السؤال الأذكى ليس: “لماذا فاز؟”
بل: هل كانت هذه الفئة مصمّمة أصلًا لتكون منافسة منطقية؟
نفس المنطق ينطبق على أنغام… وعلى غيرها
الأمر لا يتعلق باسم واحد.
الفكرة تتكرّر في أكثر من فئة.
عندما تدخل فنانة بحجم أنغام—بالتجربة، والتاريخ، والقدرة الصوتية، والمكانة—في منافسة مع أسماء تمثّل جيلًا جديدًا بأغنيات لا تخاطب إلا مشاعر فئة عمرية بعينها…
فإننا لا نقيس “أفضل أغنية” فقط،
بل نقيس “أفضل مسار”،
و“أفضل مدرسة”،
و“أفضل ذاكرة”،
وهو قياس غير عادل للمستجدّين… حتى لو كان الفوز مستحقًا للكبار.
إذًا المشكلة ليست أن التصويت “غير عادل”.
بل أن التوزيع غير منطقي.
لأن الجوائز حين تريد أن تكون عادلة فعلًا،
عليها أن تفهم الفروق بين:
فنان في مرحلة تأسيس هوية وفنان في مرحلة حصاد تاريخ وبين عمل لحظي… وعمل يبقى عشرين سنة في الذاكرة
ماذا عن المؤثرين؟ هنا تبدأ فوضى التعريف؛
أما فئة “المؤثرين”، فهي قصة مختلفة تمامًا… وتستحق نقاشًا أعمق.
لأن جزءًا كبيرًا من غضب الجمهور لا يأتي من الأسماء نفسها،
بل من سؤال بسيط لم تتم الإجابة عنه بوضوح:
من هو المؤثر أصلًا؟
هناك فرق كبير بين:
المشهور: شخص معروف، يُشاهَد، يلفت الانتباه، وقد يكون حضوره قائمًا على الشكل أو الضجة أو التكرار. المؤثر: شخص يغيّر سلوكًا، يصنع اتجاهًا، يرفع ذائقة، يضيف معرفة، أو يقود قرارًا حقيقيًا لدى الناس.
المشهور قد يملك ملايين المتابعين…
لكن لا يملك أثرًا خارج الشاشة.
والمؤثر قد لا يكون الأعلى متابعة…
لكن تأثيره يظهر في السوق، في الذائقة، في العادات، وفي قرارات الجمهور.
المعضلة أن كثيرًا من الجوائز اليوم تتعامل مع المؤثرين بمنطق “الأرقام”،
بينما التأثير الحقيقي لا يُقاس بالأرقام وحدها.
التأثير يُقاس بالسؤال التالي:
ماذا حدث بعد هذا الشخص؟
هل تغيّر شيء؟
هل ارتفعت معايير؟
هل ظهرت موجة جديدة؟
هل انطلقت مشاريع؟
هل تغيّر وعي؟
وعندما لا يكون تعريف “المؤثر” واضحًا، تصبح الترشيحات عرضة للفوضى،
ويصبح الجمهور في حالة شك دائم:
هل نكرّم تأثيرًا… أم نكرّم شهرة؟
الخلاصة: العدل ليس فقط في النهاية؛
لذلك، إذا أردنا أن نكون منصفين،
قد لا يكون العنوان الصحيح هذا العام: “الجوائز غير عادلة”.
بل العنوان الأكثر دقة هو:
الجوائز كانت عادلة… لكن الترشيحات لم تكن عادلة.
لأن العدل لا يُبنى في لحظة الفوز،
بل يُبنى قبلها:
في تصميم الفئات، في منطق التوزيع، وفي تعريف ما نحتفل به أصلًا.
وفي زمن سريع يتساوى فيه الترند مع التاريخ في شاشة واحدة،
ربما أهم سؤال يجب أن تطرحه أي جائزة على نفسها ليس:
من الأكثر تصويتًا؟
بل:
هل هذه منافسة منطقية من البداية؟
وهل نحن نحتفل بالشهرة… أم بالأثر؟







