في ترشيحات الأوسكار لهذا العام، لا يبرز فيلم صوت هند رجب كعمل سينمائي عربي فحسب، بل كوثيقة إنسانية تتجاوز حدود الشاشة، وتحمل معها سؤالًا ثقيلًا:
هل ما زالت السينما قادرة على إيصال الحقيقة حين تعجز السياسة عن قولها؟
الفيلم، الذي دخل رسميًا سباق جائزة الأوسكار لأفضل فيلم دولي، يستند إلى قصة واقعية مؤلمة، ويختار أن يرويها بصوت طفلة، لا عبر مشاهد صادمة أو لغة مباشرة، بل من خلال السرد، الصمت، والمسافة الأخلاقية التي تترك للمُشاهد مسؤولية الفهم لا الاستهلاك.
القصة: حين يصبح الصوت ذاكرة؛
لا يقدّم صوت هند رجب بطلة تقليدية، بل طفلة عالقة في لحظة لا يفترض أن يعيشها أي إنسان.
الصوت هنا ليس وسيلة درامية فقط، بل أداة بقاء، ومحاولة أخيرة للتشبث بالعالم. اختيار الصوت بدل الصورة يضع المتلقي في موقع مختلف: لا يرى، بل يسمع، ويتخيّل، ويتحمّل.
هذا القرار الإخراجي يمنح الفيلم قوة نادرة، إذ يبتعد عن الاستعراض البصري، ويقترب من التجربة النفسية الخالصة، حيث يصبح الخوف، الانتظار، والرجاء عناصر أساسية في البناء السردي.
لغة سينمائية بعيدة عن الابتزاز؛
ما يميّز الفيلم أنه لا يسعى لاستدرار التعاطف السريع، ولا يعتمد على الموسيقى الثقيلة أو المشاهد المباشرة.
على العكس، هو عمل متقشف، هادئ، وصارم في احترامه لقصته، ولشخصياته، ولذكاء الجمهور.
هذا الأسلوب يضع صوت هند رجب في خانة السينما الإنسانية الجادّة، لا سينما القضايا الموسمية، ويجعله أقرب إلى أعمال تُناقش في المهرجانات الكبرى لا فقط في نشرات الأخبار.
الترشيح: ماذا يعني وصول هذا الفيلم إلى الأوسكار؟
ترشيح صوت هند رجب لا يعني بالضرورة فوزه، لكنه بحد ذاته اختراق مهم.
هو اعتراف بأن القصص القادمة من منطقتنا قادرة على الوصول حين تُروى بصدق، وحين تُقدَّم بلغة سينمائية تحترم المعايير الفنية العالمية دون أن تتنازل عن جوهرها.
في سباق غالبًا ما تهيمن عليه الأعمال السياسية المصقولة أو الإنتاجات الضخمة، يثبت هذا الفيلم أن البساطة، حين تكون صادقة، قادرة على المنافسة.
لماذا هذا الفيلم مهم الآن؟
لأن الذاكرة مهددة.
ولأن تحويل الألم إلى مادة بصرية مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون فنية.
ولأن صوت طفلة، في زمن الضجيج، قد يكون أصدق من ألف خطاب.
صوت هند رجب ليس فيلمًا لمشاهدة سريعة، بل تجربة تُترك لتعمل ببطء داخل المشاهد، وتذكّره بأن السينما، في أفضل حالاتها، ليست ترفًا… بل شهادة.
خلاصة زوين؛
هذا الترشيح ليس لحظة احتفاء فقط، بل لحظة مساءلة:
كيف نروي قصصنا؟
ومن يملك حق الكلام؟
وهل ما زال للصوت الفردي مكان في العالم؟
في صوت هند رجب، الجواب يأتي واضحًا:
نعم… حين يكون الصدق هو اللغة.









