فيرا وانغ… الأسطورة التي بدأت بعد الأربعين

هناك نساء يولدن داخل الحكاية، ونساء يصنعن الحكاية بأيديهن. فيرا وانغ تنتمي للفئة الثانية؛ امرأة لم تهرول خلف البدايات المبكرة، بل وصلت حين أرادت، وحين وصلت أعادت ترتيب مشهد كامل من الموضة كما لو كانت تعيد صياغة زمنٍ لم يسعف غيرها.

ولدت وانغ في نيويورك عام 1949 لأسرة صينية مهاجرة، وكانت طفولتها أبعد ما تكون عن عالم الأزياء. قضت سنواتها الأولى على الجليد، تتدرّب يوميًا لتصبح متزلجة محترفة، وكان حلم الأولمبياد يسكنها بقوة. لكن هزيمة واحدة في سن التاسعة عشرة أنهت مسيرتها الرياضية، وألقت بها في فراغ كبير لم تكن تعرف شكله. ذلك الفراغ، الذي يخشاه الجميع، كان في الحقيقة أول نافذة تقودها إلى ذاتها.

بعد دراستها الجامعية، دخلت إلى مجلة Vogue كمحررة أزياء شابة. سبعة عشر عامًا داخل المجلة صنعت منها امرأة ترى الموضة بعيون مختلفة؛ تعرف كيف تُبنى الصورة، وكيف تتحوّل قطعة قماش إلى مزاج، وكيف يمكن لفكرة صغيرة أن تغيّر أسلوب أجيال. كانت مرشحة قوية لمنصب رئيسة التحرير، ولم تحصل عليه. لكن اللحظات التي نعتقد أنها خسارة، تكون أحيانًا أعظم استعداد للمرحلة التالية.

تغيّر كل شيء في الأربعين. كانت تستعد لزفافها، وتبحث عن فستان يحمل شخصيتها، عن شيء يعكس ذلك المزيج الخاص من الرقة والقوة الذي يميّز النساء حين يعرفن أنفسهن جيدًا. لم تجد. الأسواق كلّها تشبه بعضها، الأبيض واحد، الخيال مكرّر. فقررت أن تصنع فستانها بنفسها، ليس لأنها مصممة… بل لأنها امرأة تعرف ماذا تريد. ومن تلك اللحظة، ولدت فيرا وانغ التي يعرفها العالم.

افتتحت أول متجر لها عام 1990 في نيويورك، متجر لم يكن مجرد مكان للبيع، بل بيانًا بصريًا عن جمال هادئ، ناعم، يهمس ولا يصرخ. فساتينها ليست بسيطة كما تبدو، بل معقّدة في بناها، دقيقة في هندستها، تلامس الجسد كما لو أنها تعرف قصّته قبل أن يرويها. وسرعان ما صارت توقيعًا عالميًا؛ ترتديها النجمات في أكثر لحظاتهن حساسية وشهرة: ماريا كاري، كيم كارداشيان، فيكتوريا بيكهام، جينيفر لوبيز، وآلاف العرائس اللواتي أردن فستانًا يُشبههن لا يشبه أحدًا آخر.

نجاح وانغ لم يقتصر على فساتين الزفاف. توسعت علامتها إلى العطور، المجوهرات، الأزياء المسائية، النظارات، وأسلوب الحياة. اليوم تتجاوز قيمة علامتها التجارية 600 مليون دولار، قيمة لا تقيس الثراء فقط، بل تقيس قدرة امرأة على إعادة اختراع نفسها عندما يعتقد العالم أن الوقت قد تأخر.

قصة فيرا وانغ ليست احتفالًا بموهبة متأخرة، بل احتفال بامرأة ثبّتت معنى مهمًا: أن العمر ليس خطًا تنازليًا، بل مساحة مفتوحة لقرارات جديدة. وأن بعض الحكايات العظيمة لا تأتي في العشرين… بل تبدأ بعد الأربعين، حين يصبح الصوت الداخلي أكثر وضوحًا، والرغبة في ترك أثر أكثر نضجًا.

فيرا وانغ لم تغيّر فكرة فستان الزفاف فقط؛ بل أعادت تعريف توقيت النجاح. وفي عالم يسابق الزمن، اختارت أن تقف، أن تلتقط خيطًا واحدًا، وأن تعيد خياطة حياتها كما تريد. وهكذا تُصنع الأساطير.

شارك المقال
Scroll to Top